زكريا محمد: الأميون في القرآن: أهم الأحناف؟
من قصيدة "عُواء" للشاعر الاميركي ألن غينسبيرغ: ترجمة سركون بولص
محمود درويش يقرأ قصيدة في فيلم لصموئيل شمعون

ENGLISH KIKAH

أهلا بكم في كيكا *** اعتبارا من اليوم يقوم الزميل عماد خشان، المقيم في نيويورك، بالاشراف على موقع كيكا **** كل المواد ترسل الى عماد خشان imadkachan@kikah.com أهلا بكم في كيكا *** اعتبارا من اليوم يقوم الزميل عماد خشان، المقيم في نيويورك، بالاشراف على موقع كيكا **** كل المواد ترسل الى عماد خشان imadkachan@kikah.com أهلا بكم في كيكا *** اعتبارا من اليوم يقوم الزميل عماد خشان، المقيم في نيويورك، بالاشراف على موقع كيكا **** كل المواد ترسل الى عماد خشان imadkachan@kikah.com أهلا بكم في كيكا *** اعتبارا من اليوم يقوم الزميل عماد خشان، المقيم في نيويورك، بالاشراف على موقع كيكا **** كل المواد ترسل الى عماد خشان imadkachan@kikah.com ______

رحمن النجار

ماراثون اليوم وسوق البشر العتيق

 

رحمن النجار

 

 

مغني الأوبرا العجوز آرنه أنكابوله

 

قال لي العجوز آرنه مرة:

- يا صديقي، انا عجوز كما ترى.. لم اعد اتعرف على الناس عن طريق الهاتف، لذلك كتبت رقم تلفوني على عكازي. اندهش حقا، عندما تناديني هذه المخلوقة العجوز التعسة: يا ابي.. لها مفتاح وتدخل شقتي دون إستئذان وتقول بانها ابنتي. ومثلما ترى، ركبتاي لا تقدران على حمل لقبي العائلي بعد.. لذلك اعطيت نصفه اسماً لكلبي. منذ عجز ركبتاي وكلبي اسمه "بوله". اعطيته النصف ليس بخلاً ولا ترفعاً.. من أنا لأترفع على كلب؟ لكن من حق الكلب ان تكون له شهادة لا حكم عليه نظيفة. النصف الآخر وضعته في صحن الشوربة البارد المقيت.

سألتني الممرضة: ماهذا الذي في الشوربة يا آرنه؟

أجبتها: هذا نصف صرصار مطبوخ، حاذروا مرة اخرى في اعداد الطعام!

 

و ينطلق صوته العجوز بغناء اوبرالي".. اكرم الطاف الرّب.. حق البشر في الذكريات"

 

استخدم جرائد اليوم كفتيل لإشعال جمر الأراكيل

 

أليس عملك الأبدي في مقهى بغداد الحديث لإشعال جمر الأراكيل يا جميل وطوال حياتك، هو في الأصل عملك الكلي القدرة على إشعال ماضيك وإحراقه برمته؟

 

لنا الماضي و لنا الماضي التام، لكننا بحاجة الى ماضٍ سحيق، حين هرعتُ ليلاً و خبطتُ على باب صديقي قيصر عبد الودود هذا الذي وشم بيده وعلى صدره، بالإبرة والرماد مثلث هيجل، لكنه تألمَ كثيراً.. طبيعي، ذات اليد تعذب ذات الجسد. حتى ان مثلث هيجل بدا مرتجفاً كسعير على صدره، حين قتل في الطريق الى حريتنا مثل جوادٍ يعبر دخان مواقد قرى الكورد الصباحية.

اذكر انني قلت لقيصر بعدما تألم كثيراً من الوشم:

- لو كاتبها بقلم الجاف مو احسن.. همّ بدون الم وهمّ تكدر تغيرها اذا ما غيرت الفيلسوف؟

- اود ان اتعمد بالألم! ولن اتغير، أجابني معترضاً.

كم انا حزين بعد موته، لم آخذ ماقاله بجدية عالية.. حين وبعد بشت آشان، انه وبمفرده قد انقذ سرية كاملة من البيشمركة من قتل محقق. غطى عليهم واحتفظ بطلقة وحيدة لنفسه. ويحكى ان اطفال القرى الكردية، وضعوا الطين على وجوههم كلحية ليهتفوا:

- نحن قيصر عبد الودود.

طلبت من قيصر ان نبات ليلتنا في مقبرة الإنكليز و كلابها الناهشة السائبة، كي يقدر لي ان ابكي حد اللؤم، بسبب ان جميل عامل الأراكيل، لا يمكنه ان يناديني" ياأخي!"

 

جميل يقول لي ان امهُ مومس من الكلجيه، انجبته في آخر سني عمرها عندما كان تنادي:

- بلل قضيبك بدرهم. قال لي جميل، ليش هيجي؟

- ابي لم يصرف عليّ سوى درهم مزنجر و لمنفعته الشخصية، ليش؟.

حتى هؤلاء اللذين لا يعرفون ان أمي مومس لا يحترومني، ليش؟.

جميل قال لي:

-حياتي خالية من الرعشة مثل قضيبي لا يقذف مهما بلقته، ليش؟.

و يختم تساؤلاته:

- انت تتحدث عن الشي..زوفرينيا، رغم صعب بها الظروف الواحد اثنين وبنفس الراتب، بس هم حلو!، تصور لو اني اثنين، جان خليت الثاني يلعب رياضة، يصير ملاكم وينيك عراضهم، هؤلاء الكواويد. وجان كتله عفرماً ياأخي!

و يتابع؛ استخدم جرائد اليوم كفتيل لإشعال جمر الأراكيل.. وتصور لو ان بغداد بطابقين، الأول للشرفاء، للعاملين في النفط والوزارات، للطلبة. والثاني لأولاد العاهرة مثلي، وللسكارى والمجانين.. كان يمكن ان اعيش بالطابق الثاني واقول لهؤلاء أشباهي يا اخوتي.

- بس اللي يسكر والمجنون مو شرط يكون ابن شسمه! قلت له متحرشاً.

- السُكُر والجنون أنساب وفن مثل الأراكيل يا آدمي، منو يدري هالفحمة المثعورة من يا شجرة!

ورغم انني رجوته ان يناديني يا أخي، لكنه لم يفعل.. قلتُ له يا جميل يا أخي.. كل إحتلال، انما لعب بالجينات وكلنا ازرار في هذا القميص النافق. قل يا أخي وخلصني. لكنه لم يفعل.

قبل ان اهرع الى بيت قيصر عبد الودود ليلاً، سمعت جميل يودعني قائلاً للمرة الأولى:

- حتى لو قلت لك يا أخي.. رعشة حياتي شلون؟

 

على شواطي دجلة مرّ

 

ابو داوود.. هذا العازب الثمانيني الذي ينظر الى جميل هاتفاً:

- يا جميل انت تذكرني بالماضي. ويرد عليه جميل:

- لك بابه انته من وين الك ماضي وخصرك ويه الحزام والبنطرون بكد الدرهم! ويتابع؛ انته ميحقلك تحجي، بس تبجي، حتى انسميك العندليب.

 

أبو داوود يلعب الشطرنج، غالب ام مغلوب بمئة فلس.. كي يؤمن خمرته وطعامه.. "وخيلي ترادفت" عندما يهجم عوضا ان يقول" كش مات" و حين ينهي خمرته يصيح بمطلع لعبد الأمير الحصري:

" أنا الاله، ندماني ملائكة.... والحانة الكون، والجلاس من خلقوا"، ويضيف:

- الرصافي خوش ولد بس ذاك الزهاوي، خشمه يابس!

ابو داوود الذي افنى حياته بالبحث عن الحب و فق اغنية "على شواطي دجلة مر/يا مُنيتي قبل الفجر" و يتابع:

-أدري قبل الفجر وين، بإي طابق من بغداد، ثم وين على شواطي دجلة، من جهة المنبع، من جهة المصب.. و كل هذا قبل الفجر! هذا تعجيز.. قولي مااحبك، الصراحة حلوة سليمة خاتون؟

 

ابو داوود كان يغادر مقهى البرلمان كل يوم في الثانية عشرة ليلاً، يلعب الشطرنج ويعبّ العرق في تواليت المقهى، لذلك يخرج مترنحاً و ينعطف نحو اليسار، نصف ساعة ويصل بيت اخته الأرمله. لنصف قرن وهو ينعطف نحو اليسار.. ليصل بعد نصف ساعة لبيت اخته. لكنه مرة انعطف نحو اليمين دون ان يدري، سار وسار حتى انه عبر جسراً معلقاً واستغرب، حتى جاءه صوت مثل الرعد: قف!

-الى اين؟ فقال ابو داوود للصوت:

- هم زين قف، اي والله، عاشت ايدك!. على اساس دا روح لبيت اختي بس اشو طولت. وجاءه الرعد من جديد

-ولك ابن ال... بيت اختك شنوه، هذه مشارف القصر الجمهوري وعاد الينا في اليوم التالي مكسراً ومدمىً من كل جوانبه ولا يكاد يرى بعينيه.

 اليس هذا ايضا من" على شواطيء دجلة مر.. الى آخر الحكاية التي من المؤكد تعرفون.

 

لي و للناس ما بين النهرين من أيام كاملة

 

"هذه النهارات

تنقتل بأسرارها

و تغدو مساءات غامضة

.............

انها لغة.. ربما

هذه القشعريرة التي تدهم الطبيعة"

أحمد الشيخ علي " طبيعة.."

 

" اليوم الذي ستموت فيه سيكون كما باقي ايامك، لكن اقصر بقليل "

Stephen king “ Dolan´s Cadillac- Short stories

 

.. هذا العراقيُّ الذي يدندنُ ابدياً في دروب عودته، يتوهم ويغني" فتّح ورد الباجلة.. عيشه بفرح  يا اهل الله" ماذا عساهُ ان يدندن كي لا يقتل؟ 

 

يُحكى ان اليوم الذي سنموت فيه سيكون اقصر وهماً، ولسوف نشعر لبرهة ان الحياة ثمينة ولسوف نتوهم اننا سنصحو وبعد قليل بين أحراش جنة ينعم بالنزهة فيها طباخ العطر وطباخ السُم.

 

يونا الإيرانية، بائعة الزهور في شارع البلوكورد توهمت وسقطت في دكانتها بين الشتلات مثل ثوب يفلت من شماعة الثياب. كان يومها اقصر بقليل من احلام وردة.

- لا هذه ولا ذاك؛ ماتت لأنها اطيب من الألهة، قال هانس المريض صاحب حانة الصيدلية الخافرة!

لكنها توهمت كذلك وهذا ما نَبستْ به؛

-  سأنام مثل مَنجمِ العطر.

 

حتى الهَرِمُ، مغني الأوبرا آرنه إنكابوله، القابع على كرسيه في دار العجزة يتوهم:

- شيء ما ممل وخطر ان أستمر قابعا هكذا على كرسيي، تلك اسوأ اوبرا غنيتها بحياتي، يقول.

شيء ممل وخطر ان يداهمني الموت هذا السيد الذي بلا ذوق، بغتة يضيف. شيء خطر ان أعرف متى! ويصمت.

ومرة سألته؛ كيف تقضي ايامك يا آرنه؛ قال:

- اخرج كل صباح من غرفتي واقرأ صفحة الوفيات في الجريدة، ان لم يكن اسمي بين الإعلانات، فأعود لغرفتي واعمل قهوة وأظل هكذا اترقب جريدة اليوم التالي.

 

الجرائد تأتي في الصباح الباكر ولا يأتي معها ملحق العشق المصوّر، كما تعرف، فالموت ثوب من خزانة العشق! قلت ذلك و تضاحك آرنه بمكر!، ليعلق:

- صدقت، العشق والموت لهما ذات رائحة السمك في الجو العابق الرطب. سيرتديني هذا الثوب عما قريب، وسأغني قصيدتك يا صديقي غاهمن هناك في العلوّ الثمين.. لربما تُعجب الرّب ليرسلَ بملائكتهِ اثرك، ونلتقي!

 

بائعة الزهور توهمت نتائجَ الطبيعة، لكن وبصدق ماذا عساها ان تبيع غير الزهور كي لا تموت، كي لا تتوهم وتفلت هكذا مثل ثوب من شماعة الثياب؟

وهذا العراقيُّ الذي يدندنُ ابدياً في دروب عودته، يتوهم ويغني" فتّح ورد الباجلة.. عيشه بفرح يا اهل الله" ماذا عساهُ ان يدندن كي لا يقتل؟ 

 

نحن نتوهم اننا وصلنا نحو التخوم، لنشتري زهرة ونسير خلف جثمان من شعروا بثمن الحياة بعمق لبرهة، وها هي الفوهة التي تفغر فاها، ليست لنا هذه المرة و اسمنا ليس في الإعلان. و لطالما توهمنا المرايا وقلنا؛ عين القمر ودكانته التي تبيعنا ضياء مُخَدْرة، لنرمي بزهرة وحيدة على الجثمان ومن ثم التراب. نسينا اننا توهمنا حين افلتنا ذات مصادفة من خيمة المتوحشِ جِلُدنا، بثياب وعطر. وطفقنا نقول نحنُ المرايا وهمُ اللذين ينعكسون فيها كما البركة الساكنة.. نسينا أن النياندرتال اليافع شاني من كهفِ شانيدار، كان يهمّ فجراً، ليهبطَ من كهفه نحو الوديان، ليجمع الزهور قبل ان يفلّ عنها الندى و بتأنٍ يُخلّصها من الأتربة ويدفن بالزهور الندية موتاه عند الضحى، قبل ان تأنّ الشمس في السمت وتتنادى الغربان.. توهمنا واكتفينا بزهرة تُلقىُ هكذا، بلا إعتناء هكذا، هكذا بلا إعتناء، على الجثمان.

 

هل أحصل على يومي القصير ولا اتوهم، انني أموت على هيئة رب او ماشية؟.

- لي عيني، منشأة صغيرة لتزويد ماضي حجارة الدروب بضمائر حية.

- بضاعة الحياة رخيصة وتسعيرة غلطة الشاطر مازالت بألف، تصور! مختبراتها البهيمية واقعية حين المجهر لا يفرق بين الأنين والعِواء ولا حتى بين الباكي والمبتل من المطر. والحب ينقطع مثل طريق زراعية ونحن رئات. سأدخل غابة واخبّط على الجذوع علها من تلقاء ربّها تملّ وتصبح ابوابا، ويفتحُ لي هذا الذي يولدُ ويأنّ تحت قماشة الوقت، في حافات الماضي، يا ماضي.

 

- " يا ماضي، يا ماضي، يا ابن الكحبة يا ماضي" هذا ماقاله الشاعر قاسم جباره في الثمانينات، ليطلق رصاصة على أذنه التي تسمع موتسارت وأخبار الحرب.. لتخرج من عينه التي ترى كيف تتلوى سمكة الفوريلا في الحوض وكيف تتلوى الجثث على الشاشة، ولربما القى بنفسه من غرفته بالطابق الخامس في فيينا. سيدة وفي الصباح الباكر تهتف للبوليس وتقول:

- ثمة رجل مهاجر يسبحُ ببركة دمه!

لكني اقف بجوارها مثل حنظلة في رسومات ناجي العلي واقول في فقاعة تفكير:

 

- هذا ليس برجل ياسيدتي ولا امرأة وليس بمهاجر. هذا قاسم جبارة، شاعر عراقي ملّ فقره وماضيه، يموت للحظة، ليسبح ببركة دمه كي يتوحد مع تلوي الجثة هناك ويمسي خبراً حربياً. لم يسعهُ التوحد مع تلوي سمكة الفوريلا ولا مع موسيقى موتسارت!

 

***

 

لي وللناس هناك، ما للنهرين من أيام كاملة..حتى يكاد اليوم اكثر من يوم والشمس اكثر والمطر اقل. لا يموتون هناك. لا يسعهم ببساطة، لا يسعهم ان يبيعوا الزهور ويفلتوا كالثوب. ولن يقدّر لهم ان يقبعوا هرمين على كراسٍ، ليهتفوا؛ مملٌ وخطر.. وجريدة اليوم.. الى آخر الحكاية التي تعرفون. حتى ان موتهم ليس ثوباً من خزانة العشق!

هم هناك يرَون في كل منعطف ما خبأَ تحت قماشة الوقت ولم ينهض ويبزّ كنهد صبية. هم هناك ما بين النهرين يقتلون حتى قبل القتل ولا يقدر لهم حتى الشعور ولو لنصف برهة من ايامهم التامة، على ان الحياة ثمينة.

همُ إذن ك" هذه النهارات تنقتلُ بإسرارها/ وتغدو مساءات غامضة.. إنما لغةٌ.. هذه القشعريرة.." الى آخر القصيدة.

 

 

شاعر عراقي مقيم في كوبنهاكن

elsaadionce@hotmail.com

 

 

خاص كيكا